الشيخ الطبرسي

676

تفسير جوامع الجامع

( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ) وما عليهِ كُلُّ جُنْد من العَدَدِ وما فيهِ من الحِكْمَةِ ( إِلاَّ هُوَ ) ، ولا سبيلَ لأَحَد إلى معرفةِ ذلك ، كَمَا لا يَعْرفُ الحِكْمَةَ في أَعْدَادِ السَّماواتِ والكَواكِبِ والبُرُوجِ ، وأَعْدَادِ الصَّلَواتِ والنُّصُبِ في الزَكَوَاتِ ، وغَيْرِ ذلك ، أو : ( مَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ) لِفَرْطِ كَثْرتِها ( إلاَّ هُوَ ) فَلاَ يَعزُّ عليهِ تَتْميمُ الزَّبانيةِ عِشْرينَ ، ولكن لَه في هذا العَدَدِ الخَاصِّ حِكْمَةٌ لا يَعلمُها إِلاّ هو ( وَمَا هِىَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ) متَّصِلٌ بوَصْفِ ( سَقَر ) ، و ( هِىَ ) ضمِيرُها ، أي : وما سَقَرُ وصِفَتُها إلاَّ تَذْكِرةً للبَشَرِ ، أو : ضَميرُ الآياتِ التي ذُكِرَتْ فيها . ( كَلاّ ) إنْكارٌ بعد أن جَعَلَها ذِكْرى ، أَن يكُونَ لهم ذِكْرى لأنَّهم لا يَتَذَكَّرونَ . " دَبَرَ " و " أدْبَرَ " بمعنىً واحد ، ومنْهُ قَولُهُم : صَارُوا كأَمْسِ الدَّابِر ، وقيلَ : هو من : دَبَرَ اللَّيلُ النَّهارَ : إذَا خَلَفَه ( 1 ) ، وقُرِئَ : " إذَا دَبَرَ " ( 2 ) . ( إِنَّهَا لإَحْدَى الْكُبرِ ) : " الكُبرى " تأْنيثُ " الأَكْبَر " ، جُعِلَتْ أَلْفُ التأْنيثِ كَتَائِها ، فَكَمَا جُمِعَتْ " فُعْلَةٌ " على " فُعَل " جُمِعَتْ " فُعْلَى " على " فُعَل " ، أي : لإَحْدَى الدَّواهِي الكُبَرِ ، بمعنى : أنَّها واحِدَةٌ في الْعِظَمِ من بينهنَّ لا نَظيرةَ لها . ( نَذِيراً ) تَمييزٌ من ( إِحْدَى ) على معنى : إنَّها لإَحْدَى البلايا إِنْذاراً ، كَمَا يقَالُ : فُلانَةُ إحْدَى النِّساءِ عَفَافاً . وقيلَ : هي حَالٌ ( 3 ) . ( أَنْ يَتَقَدَّمَ ) في مَوضِعِ الرَّفْعِ بالابتداءِ ، و ( لِمَنْ شَاءَ ) خَبَرٌ مقَدَّمٌ عليهِ ، كما تَقُولُ : لِمَنْ تَوضَّأَ أن يُصَلِّي ، ومعنَاهُ مُطْلقٌ لِمَن شَاءَ التَّقدُّمَ أو التَّأَخُّرَ أَن يَتَقَدَّمَ ( أوْ يَتَأَخَّرَ ) ، والمُرادُ بالتَّقَدُّمِ والتَّأَخُّرِ : السَّبقُ إلى الخَيْرِ والتَّأخُّرُ عنْهُ ، ونَحوُهُ : ( فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن ومَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ) ( 4 ) ، ويجُوزُ أن يكُونَ ( لِمَنْ شَاءَ ) بَدَلاً من

--> ( 1 ) قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن : ج 2 ص 275 . ( 2 ) قرأه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 659 . ( 3 ) قاله الزجَّاج في معاني القرآن : ج 5 ص 249 . ( 4 ) الكهف : 29 .